من أكثر ما يُدهش في آيات الأحكام العملية في القرآن أنها لا تُفصح عن منطقها مباشرة كما تفعل آيات الوعظ والترغيب، بل تُودعه في ألفاظها ذاتها، تنتظر الوقوف عندها.
آيات الوعظ في الغالب ما تخاطب الوجدان مباشرة، أما آيات الأحكام فتخاطب العقل والوجدان معًا في آنٍ واحد، وتضع أمامنا طبقات من المعنى لا تُكشف إلا للمتدبر المتأني.. فآيات الأحكام لا تملك إعجازًا أقل، بل تملك إعجازًا مختلفًا في الظاهر والجوهر؛ حيث الكلمة الواحدة تحمل الحكم وفلسفة الحكم معًا.
في المقال السابق وقفت عند المعاني التي يحملها تعبير “حدود الله” خاصةً المعنى التعبدي، وما فيه من جماليات.. لا يقل بلاغة عنه تعبير “يأكلون” الذي أشار له القرآن في استحلال الربا ومال اليتيم وأموال الناس بالباطل..
فاختيار التعبير بـ “الأكل” في استحلال المال ليس مجرد مجاز بلاغي يُكنّى به عن الانتفاع، بل هو اختيار دلالي مُحكم يحمل في طياته فلسفة الحكم؛ فالأكل أعمق صور الاستهلاك وأكثرها حميمية، لأن سائر أوجه الانتفاع بالمال – كالسكن والركوب واللبس – تبقى خارج البدن، منفصلة عن الذات بمسافة ما وإن قلت.. أما الأكل فهو الوجه الوحيد من الانتفاع الذي يُدخل الشيء إلى داخل الإنسان فيمتزج بدمه ويُبنى منه عظمه ولحمه.
فحين يقول القرآن: “يأكلون الربا”، “يأكلون أموالَ اليتامى”، “ليأكلون أموالَ الناس”.. فهو لا يصف فعلًا اقتصاديًا إجراميًا فحسب، بل يصف تحولًا في الذات؛ حيث يصير المال الحرام جزءًا من بنية من استحله.
هذه الصورة البيانية تأخذ أوسع أشكالها وأبدع معانيها حين تقترن بتعبير “إنما يأكلونَ في بُطونِهم نارًا”، “لا يقومونَ إلا كما يقومُ الذي يتخَبّطُه الشيطان من المسّ”.. حيث تنتقل الآيات بالمعنى الذهني إلى المعنى الحسي فتمنحه الحياة الشاخصة.. فالمال الحرام اشتعل في بطن من أكله، والربا نما في بطن من استحله فأثقّله حتى أفسد عليه قيامه وحركته!
فبدلًا من أن يمد الأكل الآكل قوة؛ أضعفه وأخلّ بقواه، فالجزاء أقرب ما يكون منه، ولكن لا يشعر لأن بريق المال يخدعه.
هذا المعنى تفهمه جيدًا حين تستحضر الحديث النبوي: “كل جسدٍ نبت من سُحْت فالنارُ أولى به”، حيث يلتقي الحديث مع الآيات في بنية واحدة؛ فالمال لم يبق مالًا، بل تحول بالأكل إلى خلايا وعظام ودم، فصار الجسد هو الشاهد المادي على الحرام، فصارت النار أولى به.
ثم وفي الكلمة نفسها “يأكلون” قطعًا لوهم الاضطرار.. فأضافت للآية بلاغة فوق بلاغة، فالأكل هو الحاجة الأولى التي لا يُتصوّر الاستغناء عنها، فاختيار لفظة “الأكل” في هذا الموضع تحديدًا قطع وهم قديم يتذرع به المُستحل عادةً “مُضطر”! فكأن المعنى: لو كان ثمة موضع تُباح فيه الحرمة لضرورة لكان الأكل هو أولى المواضع بذلك، فإذا كان الأكل به ممنوعًا فكيف بما هو دونه من وجوه الانتفاع؟!
وهذا من أبلغ أساليب سد الذريعة في القرآن: أن يبدأ بتحريم أشدّ الحاجات ضرورةً دون حاجة في أن يُعدد المنافع الممنوعة واحدًا بعد واحد، فإذا سقط عذر الاضطرار في أشدها سقطت معه كل الذرائع دونه.