وقت القراءة 2 دقيقة
13 عدد المشاهدات

لا شيء يُرقّق قلب المسلم في رمضان كالحديث عن تدبّر القرآن، تلين النفس لأقصر آية، ويتوقف العقل عند ما لم ينتبه له من قبل.

غير أن هذا الانفتاح – على جماله – يكشف في الوقت نفسه عن انتقائية عميقة تحصل بدون قصد، حيث التركيز على آيات القصص والرحمة والخلق والوعد والوعيد ونحوها من المعاني، وتجاوز آيات الأحكام العملية وبناء نظام الجماعة، ربما لأن موضوعاتها تبدو ثقيلة لا تناسب روحانية الشهر كما يعتقد بعض الناس.

رغم أن آيات الأحكام لها جمالها الخاص الذي لا يُدرك إلا بالتدبر؛ حين ترى نظامًا متسقًا لا ثغرة فيه، يبدأ من الكليات فلا يُناقض الجزئيات، ويبدأ من الجزئيات فتُفضي إلى الكليات، وحين تُدرك أن الله تعالى لم يتركنا نتخبط في أثقل مواطن الحياة، خلق الكون ودبّر أمر كل الخلق ثم هو مع كل هذه العظائم يُحدد في كتابه حصص الميراث والعدة بالأشهر والشاهد واليمين والعقوبات والعقود!

تأمل لفظة “حدود” في القرآن، التي يعاملها البعض بوصفها مصطلح عقابي بحت، لكن “الحد” في أصله العربي معناه الفاصل والحاجز والنهاية، فالحدود في القرآن لا تقتصر على العقوبات، هنا يكمن البُعد “التعبدي” في هذه اللفظة الذي غالبًا ما يُغفل عنه، وهو مذهل حين تتأمله في النص القرآني مباشرةً..

لفظ “حدود الله” ورد في القرآن الكريم ١٢ مرة، وتوزّعت على سياقات متباعدة جدًّا؛ في الصيام، وفي الزواج، وفي المواريث، وفي العدة والطلاق، وفي الجرائم.

العقوبات المقدّرة شرعًا استُعير لها من هذا المفهوم الأوسع، لا العكس، أي أن “حدود الله” هي المنظومة الكبرى في حياة الإنسان كلها، والعقوبات المقدّرة ليست إلا الأثر القانوني لتجاوز هذه الحدود، لا الحدود ذاتها.

بعبارة أخرى؛ الناس حين يسمعون كلمة “الحدود” يظنون أنها تعني العقوبات أصلًا ورأسًا، وأن معناها الأصيل هو الجلد والقطع ونحوه، لكن الحقيقة أن جملة “حدود الله” أصلها في القرآن – قبل أن تُستخدم اسمًا للعقوبات – يشمل المنظومة الكبرى للحياة كلها.

تخيّل جدارًا وشخصًا اصطدم به؛ الجدار هو الحدّ، والاصطدام هو العقوبة، الفقهاء كانوا يُدركون هذا الفرق جيدًا، فاستعملوها بالمعنيين الواسع والضيق، ومنه كان تعظيمهم للشرع وأحكامه، لكن المستشرقون والحداثيون لم يستوعبوا هذا الفرق، فسلبوا المعنى التعبدي من النص، واقتصروا حياله على المعنى العملي، واختزلوا المعنى الكبير في الاستخدام الضيق.

ولذلك، تأمل الفارق الدقيق بين “فلا تقربوها” و “فلا تعتدوها”، في آية الصيام قال: “فلا تقربوها”، وفي آيات الطلاق والمواريث قال: “فلا تعتدوها” وقال: “ومن يتعدَّ”، الفارق أنه في العبادات يُنهى عن مجرد الاقتراب من الحدّ، أما في المعاملات فيُنهى عن تجاوزه، كأن المنطقة المحيطة بالعبادة أكثر حساسية، والحماية فيها تبدأ قبل الحدّ نفسه بمسافة، وهذا يكشف أن الحدود ليست خطوطًا للعقاب، بقدر ما هي بنية اجتماعية (شبيهة بالهندسية) للحياة الإنسانية، بعضها محاط بحرم أوسع من بعض.

في الحديث المشهور: “الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات” هو في جوهره تفسير للحدود بلغة المساحة والمسافة، لا بلغة العقوبة، وحديث: “من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه” يستخدم صورة الحمى والملكية (الأرض التي يحظر الاقتراب منها) ليصف علاقة الإنسان بحدود الله، فكلا الحديثين يرسمان صورة مكانية: الحدّ ليس مجرد عقوبة، بل خط في الفضاء الأخلاقي والتشريعي يُرسم ليُحترم.

“الحدود” في القرآن هي اسم لمنظومة الحدود الإلهية في الوجود الإنساني بأسره: في العبادة والأسرة والمال والمجتمع، والعقوبات المقدّرة لم تُسمَّ حدودًا لأنها قاسية أو مغلظة كما هو شائع في الاستعمال أو الفهم، بل لأنها تُجسّد ما هو خارج عن هذه الحدود، كأنه لا شيء آخر بعدها.

Share via
Copy link