مر عليّ مقطع بديع لأيمن عبد الرحيم فرّج الله عنه، عن حراسة الحواس في رمضان، وتأثيره في النفس.
ورغم أن هذا المعنى مهم في كل وقت، إلا أنه يتأكد في رمضان أكثر من أي وقت آخر، باعتباره زمن تُكسر فيه أرسخ الأنماط؛ الأكل والشرب والشهوة.. فالانقطاع الواعي المتكرر عن المثيرات الحسية لمدة ثلاثين يومًا متصلة كفيل أن يُرسّخ في النفس عادات جديدة يبقى أثرها بعد انقضاء هذه الأيام.
فالصورة التي تتردد على البصر، والصوت الذي يتواتر على السمع؛ يُعيدان تشكيل الاستجابة والمشاعر والآمال، فسُنّة الله عز وجل في النفس أنها تتطبع على ما تستقبل، وتتشكل على ما تألف.. فسلامة النفس لا تبدأ في الأعماق كما يُظنّ، بل تبدأ عند العتبات؛ عند البصر قبل أن يمتد والأذن قبل أن تسمع واللسان قبل أن ينطق.. فالنفس تفقد من سلامتها بقدر ما تُرسل حواسها في فضاء الاستكثار والمقارنة والزخرف الزائف!
لذلك كان القرآن دقيقًا جدًّا في تأكيد “المسئولية” عن الحواس؛ “إنّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كُلُّ أولئك كان عنه مسئولا”.. ولاحظ كيف عاملها القرآن معاملة العقلاء في قوله: “أولئك” الغالب استعماله للعاقل، تنزيلًا لتلك الحواس منزلة العقلاء، لأنها جديرة بذلك إذ هي طريق العقل كما قال الطاهر بن عاشور.
فالتعرض المستمر للمنكر يُفضي إلى تبلد القلب تجاهه، ويُفقد النفس قُدرتها على استشعار الإيمان، وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى بأبلغ وأوجز عبارة: “إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء”، فالحديث يصف بدقة مذهلة آلية التراكم النفسي لأثر المنكر، وأن الخلل لا يحدث دفعة واحدة بل بالتدرج والتكرار!
المعنى نفسه في الآية: “والذين لا يشهدونَ الزُّور وإذا مرُّوا باللغو مرُّوا كراما”، لأن ما ينتبه له الإنسان مرةً بعد مرة؛ ينمو في وعيه ويتعمق، ولاحظ كيف أن الآية لم تكتف بالنهي عن الزور، بل حددت منهج الأتقياء في التعامل مع الزور وما هو أعم منه “اللغو” حين يُفاجئها؛ “المرور الكريم” أي ترك الانخراط والاستغراق فيه.
صلاح الباطن لا يبدأ بقفزة كبرى، فالإنسان غالبًا ما يعود إلى أدراجه بعدها، بل يبدأ بعادات يومية في ضبط ما يرى وما يسمع وما يُتيح لنفسه أن يستغرق فيه.. وبقدر ما تصفو المداخل يصفو الداخل.