وقت القراءة 1 دقيقة واحدة
13 عدد المشاهدات

من أعظم المِنن الإلهية؛ حجب الغيب عن الناس، وجعل علمه مقصورًا على الله تعالى وحده، فالحجب ليس حرمانًا بقدر ما هو رحمة ورعاية.. لذلك لم ينشغل أحد من الصحابة والتابعين بالتنبؤ بالغيبيات إلا فيما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، رغم عِظم الأحداث التي عاشوها، ورغم وجود “ملهمون” بينهم مثل عمر رضي الله عنه، لأن معرفة المستقبل لو كان سهلًا على البشر لأفسد عليهم حاضرهم وأضعف عزائمهم.

فالإنسان الذي يعلم متى تحلّ به المصيبة، أو متى ينتصر أو ينهزم؛ إما يتكل ويتراخى أو ييئس وينكسر، فلا جدوى من الأخذ بالأسباب.. فالغيب المحجوب هو ما يُبقي المؤمن يقظًا مع موجبات العبودية، فتمام التوكل قرين تمام الجهل بالعاقبة، ومن غابت عنه العاقبة؛ ازداد افتقارًا إليه ولجوءًا له ودعاءً بين يديه.

ومع ذلك، ومع كل حدث كبير تعيشه الأُمة، تجد بعض الناس يشغلهم التنبؤ والتوقع والاستشراف، والبحث عن علامات وإشارات في الأحداث، ليُنزّلوا أحاديث الملاحم والفتن على الواقع بكل جرأة وافتئات، فينشغل الناس بالتوقعات والتخمينات، ويُنسون السؤال الأهم “سؤال العبودية”: ماذا عليّ؟ ولأي غاية؟

لذلك كان من مناهي الشريعة: منع كل ما ألهي عن الفعل وأوهم بالمعرفة الغيبية، مثل التنجيم والعرافة والطيرة، بغض النظر ما إذا وافقت حقًا أو لم توافق، صدقتها الأيام أم كذّبتها، فكلها مذمومة، لأنها تشغل عن الإعداد والعمل حتى وإن لم يوافقا نصرًا أو نتيجة ذات بال، لأننا متعبدون بالوسيلة لا بالنتيجة.

فما بالنا وأكثر من يتكلم في هذه الأمور لا يتكلمون بعلم ولا هدى ولا كتاب منير، بل بظنون وتخرّصات وأهواء!

واجب كل وقت، ومن باب أولى أوقات الملمّات الكبرى؛ أن تتعلق القلوب بخالقها ومدبّرها، الذي بيده الضر والنفع، والخير والشر، لا بالمخلوقات المدبّرة التي ليس لها من الأمر شيء، فمن زاغ قلبه عن هذا التعلق فقد ضلّ عن حقيقة التوحيد وحقيقة التوكل، ومن علم أن الغيب محجوب عنه بحكمة إلهية فقد هُدي إلى أن واجبه هو العمل بإخلاص وصدق، والإعداد بإيمان وصبر.

Share via
Copy link