“فمن للأُمة الغرقى إذا كُنا الغريقين”.. هذا مطلع أبيات شعرية صارت نشيدًا بعد ذلك اشتهر في التسعينات.
تذكرته الآن حين رأيت احتفالات في الأردن ومصر وتونس للتأهل لكأس العالم، بينما الدماء لا زالت تُراق في غزة يوميًا منذ عامين!
حين ينتفض غربيون في شوارع لندن وروما ومدريد غضبًا لظلمٍ يقع على بُعد آلاف الأميال، بينما تغرق الساحات العربية في غيبوبة “الترفيه” على بُعد أميال معدودة.. فإننا إزاء انقلاب في موازين الأخوّة والانتماء!
فلم تعد الأزمة في التخلي وغياب النُصرة، بل في البلادة وغياب الإحساس.. أكاد أجزم أننا نعيش فتنة من أعظم الفتن التي واجهت تاريخنا.
أقول لنفسي، هذا السؤال الذي أنشده الشاعر قديمًا بمرارة؛ “فمن للأُمة الغرقى إذا كُنا الغريقين”؛ ماذا لو كان بيننا الآن؟!
حين تتبلّد مشاعر أخي وأهلي؛ فلماذا لا يفعل عدوي بي الأفاعيل؟!
ما معنى الأخوّة حين تحضر مع خبر مجزرة ثم تغيب مع مباراة؟ وما قيمة “الانتماء” حين يصبح شعارًا أجوفًا يمكن استهلاكه في مباراة كما مجزرة؟
نحن نُحب شعارات “الانتماء”، لكن الحقيقة المُرّة أننا غارقون في الفردانية والاستهلاك الغربي الذي نتهمه بالبرود والمادية.
ونُحب أن نتكلم عن “العجز” عن النُصرة، لتبرير التخلي، لكن الحقيقة أننا عاجزون أكثر عن الشعور بالانتماء.
تأمل قول الله تعالى: “والذين كفروا بعضُهُم أولياءُ بعض إلا تفعلوه تكُن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير”.. لماذا جاء التحذير في آية ولاء الكافرين لبعضهم لا آية ولاء المسلمين لبعضهم؟! لماذا أُخر التحذير؟ وما شأن المسلمين بولاية غيرهم لبعضهم؟!
قيل في بعض وجوه تفسيرها إن ولاية غير المسلمين بعضهم لازمها أن يوالي المسلمون بعضهم.. فكأن المعنى أن المسلمين إذا لم يظهروا يدًا واحدة؛ لم تظهر شوكتهم، فإذا لم تظهر شوكتهم؛ ظهرت شوكة غيرهم، فتجرأ عليهم واجتمع.. فتحصل الفتنة بغيرهم، ويحصل الفساد العظيم بينهم بانصرافهم عما كان يجب أن ينصرفوا إليه.