اليوم كنت أتكلم مع صديق عن مشكلة شخصية بسبب الحرب الدائرة، ودار بيننا نقاش طويل عن الحرب نفسها، لكن فجأة تطور للكلام عن أسماء الله عز وجل وصفاته، لا أعلم كيف، حتى أنني سألته مبتسمًا في آخر الكلام كيف وصلنا لهذا الموضوع؟!
حين ترى قوة عسكرية تُواجه أخرى، وسلاح يتفوّق على سلاح، واستراتيجية تغلب استراتيجية.. هذا الذي تراه حقائق دنيوية مشهودة لكنها مرتبطة بحقائق أخرى أهم: حقائق دينية غيبية؛ من الذي يُديل الأيام بين الناس؟ ومن الذي يُؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء؟ ومن الذي يرفع ويخفض، ويُمكّن ويُزيل؟
الحرب – بوصفها ظاهرة دنيوية – ليست مجرد معادلة عسكرية، بل مسرح تتجلى فيه أسماء الله وصفاته؛ ترى من خلالها أن الله عز وجل “القهّار” الذي يقهر الجبابرة وينتقم للمظلومين من الظالمين، “العزيز” الذي يُعزّ من يشاء ويُذلّ من يشاء، “الحكيم” الذي يُدبّر الأمور فتسير إلى ما قَدّره لا ما خُطط له، “اللطيف” الذي يُدبّر نجاة من نجا من حيث لا يحتسب أحد، مُقلّب القلوب ومُصرّف الأمور، القادر تمام القدرة، المُتناهي في الحكمة واللُّطف والتدبير..
فمن رأى الحرب بعين السياسة فقط، فاته أن يرى يد الله فيها، وفاته أن يُبصر “يُريدونَ أن” و “يُريدُ اللهُ”!
يُخطّط القادة، ويرسمون الخرائط، ويُحرّكون الجيوش، ويظنون أنهم يُمسكون بزمام الأمور.. ويقف وراء كل ذلك: “والله خير الماكرين”، “وربُّك أعلمُ بالمُفسدين”، “ونُمكِّن لهم في الأرض”، “ولتعلم أن وعدَ الله حقٌ ولكن أكثرهم لا يعلمون”.. فكم من جيش خرج وهو يظن أن النصر سهلًا بين يديه، فرجع مهزومًا ذليلًا؟ وكم من فئة قليلة ظُنّ أنها لا حول لها ولا قوة، فنصرها الله على من هم أكثر عددًا وعُدّة؟
تستطيع حواسك أن ترى من خلال هذه الحرب أشياء على الأرض، لكن ما يراه قلبك في السماء يمكن أن يكون أعظم وأوسع.. حين ترى جيشًا جرّارًا بأسلحة فتاكة يُهزم على خلاف المجرى العادي للأمور فتتذكر أن النصر من عند الله لا من كثرة العَدد والعُدّة، وحين ترى جبابرة تستعلي وتتجبّر ثم تسقط في لحظة فتتذكر أن الله هو القهّار الذي لا يُعجزه شيء، وتوقن بأن الأيام دُول، وأن الله هو من يُداولها بين الناس.. فلا تُفتن بقوة الأقوياء أو تيأس من ضعف الضعفاء، فتُصدق حقًّا بأن العاقبة للمتقين وأنه لا يُخلف الميعاد، وتعمل بما بين يديك من الأسباب لأن مسببها غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.