أعظم ما تُقدمه لنفسك؛ “تعظيم الوحيين” القرآن والحديث.. أن تضع نفسك تحت رحمة النص، تستسلم له استسلام المُحب الضائع، لا المُمتعض المغرور.. للنص الشرعي في قلب المؤمن هيبة تغلب هواه وتستخرج منه السمع والانقياد، لا الجدل والمراوغة والمساومة للإفراغ من المضمون.
في الأثر أن عمران بن حصين رضي الله عنه، كان مع بعض أصحابه، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحياءُ خيرٌ كُلُّه”، فقال أحد أصحابه: “إنا لنجد في الحكمة أن منه سكينةً ووقارًا لله، ومنه ضعف”.. فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: “أُحدثك عن رسول الله وتقول: نجد في الحكمة”! قال الراوي: فما زال يُكررها، وما زلنا نقول له: “إنه منا يا أبا نُجيد، إنه لا بأس به”!
فانظر كيف غضب عمران رضي الله عنه حين قابل الرجل قول النبي صلى الله عليه وسلم بـ “الحكمة”، خشية أن تذهب هيبة النص من النفوس، ويُذاب مضمونه في كلام فضفاض يُفقده وزنه.
وتأمل كيف أن ألفاظ القرآن تنوعت في طلب الانقياد للنص؛ “أَطِيعُوا” و “واسْمَعُوا وأطِيعُوا” و “واتَّبِعوهُ” و “فخُذوهُ” و “فانتَهُوا” و “فرُدُّوهُ إلى”… فكل لفظ يحمل ظلًا خاصًا من معنى حقيقة واحدة: أن الانقياد المطلوب ليس أي استجابة ظاهرية باردة، بل تسليم تام في الظاهر والباطن معًا.
لذلك في قوله: “فلا وربِّك لا يُؤمنون حتى يُحكموكَ فيما شَجَرَ بينهُم ثم لا يَجِدوا في أنفُسِهم حرجًا مما قضيتَ ويُسَلِّموا تسليما”؛ لم يكتفِ بالاستجابة الظاهرة، بل اشترط انتفاء الحرج من النفس، والحرج إنما يقع حين يبقى في القلب بقية ضيق لا تقدر على إخراجه، كأن الغاية أن ينشرح الصدر للأمر والنهي دون تحفظ أو ممانعة أو منازعة.. طاعة المُطمئن الراضي لا المُتبرم المُتثاقل.
هذا التعظيم من أهم أسباب الإعانة الإلهية: السَّتر، التوفيق، التأييد، الهداية، اللُّطف، البركة..
وفوق هذا؛ انعتاقٌ من القلق والحيرة، من صراع الأهواء المتضادة والآراء المتناقضة، من عناء البحث عن مبررات ومخارج مُستنزِفة للفكر والروح.. تعظيم الوحيين ليس موقفًا فكريًا أو منهجًا علميًا، بل إيمان وعبودية واستعادة للفطرة.
ألا ترى كيف أن الأئمة الكبار تبرأوا من أقوالهم إذا خالفت النص، وجعلوا شعارهم “إذا صح الحديث فهو مذهبي”، فلم يجعلوا من اجتهاداتهم نصوصًا مقدسة ومعبودات لا تُمس، مع أنهم لم يخرجوا عن نصوص الوحيين، بل كل غايتهم فهم مراد الله ورسوله منها وحمل الناس على العمل بها!
وهل هذا يتعارض مع طبيعتنا المجبولة على الخطأ؟
أبدًا، الإنسان ضعيف تغلبه نفسه فيتعثر ويُخطيء، وهذه طبيعة لا يُنكرها الشرع بل يستوعبها ويُعالجها ويُثمنها ويُقابلها بما يُناسبها، لذلك كان ممن يُحبهم الله عز وجل “التوابين”، أي المُكْثرين من التوبة، كلما وقعت منهم زلّة أحدثوا لها توبة، فهؤلاء يُحبهم الله تعالى ويُحب أن يتوب عليهم ويُكْثر من قبول توبتهم!
لكنه تعالى لا يُحب المتكبرين الذين يغترون بعقولهم، فيرُدون حكمه بالهوى، ويجعلون من المخالفة منهجًا، ومن الهوى شريعة، فينقلب أمرهم من زلّة قدم إلى انحراف في الطريق، ومن لحظة ضعف إلى موقف عِناد.