أزمة كثير ممن يُنفّسون عن غضبهم وألمهم بإهانة الناس واحتقار الأُمة.. لا أنهم يخلطون بين الحكومات الخائنة والشعوب المحبوسة، فلا يخفى ذلك على أحد، بل في غفلتهم عن تدبير الله عز وجل!
فينظرون لتدبير الله بالنظرة الضيقة التي ينظرون بها لتدبير البشر، يظنون أن تدبير الله الذي يرجوه المؤمن يعني انتظار الانتقام يهبط من السماء!
وتدبيره تعالى أوسع وأغنى وأجلّ وأمكر من ذلك، لا يتصوره تحليل، ولا تُصيبه فراسة.. فتدبيره في الأسباب أعجب من تدبيره في النتائج، فهو المُدبّر أمرًا وإذنًا ومشيئة.
يُدبر السبب ويرعاه، ويجعل تحريكه بيد آخر من يتصور منه تحريكه.. يخلق السبب ومن قبله قد خلق ما يرعى السبب، خلق فرعون ليرعى موسى قبل أن يخلق موسى، وخلق العزيز ليرعى يوسف قبل أن يخلق يوسف.. وهيأ دار الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه بالهجرة إليها، تقول أم المؤمنين عائشة: “كان يومُ بُعَاثَ (حرب كانت بالمدينة قبل الهجرة) يومًا قَدَّمه الله لرسوله، قَدِمَ صلى الله عليه وسلم عليهم، وقد افترقَ مَلَؤُهُم وقُتلَت سَرَواتُهُم”!
من ضعف الإيمان ألا تُشاهد تدبير الله في تدبير البشر، وأن يُذهلك الواقع عن أن الله عز وجل إذا أراد شيئًا هيّأ له أسبابه، قدره نافذ في الأسباب والمُسبِّبات، والخلق كلهم مُدبّرون تحت تدبيره، وتدبيرهم مقهور بتدبيره.
قال تعالى: “ولا تهِنُوا ولا تحزَنوا وأنتم الأعلونَ إن كنتم مؤمنين”، أي الأعلون حالًا بإيمانكم، الأعلون في العاقبة إذا بقيتم على إيمانكم.