وقت القراءة 1 دقيقة واحدة
6 عدد المشاهدات

كنت أتكلم مع قريب لي عن الشعور عند الجمادات، فاسترسلنا في كلام كثير، كان منه أن استدل بآية: “إنا عرضْنا الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال فأبيْنَ أن يحمِلْنَها وأشفقن منها”!

فهي وإن لم يكن عندها العقل والشعور الذي نعرفه، لكن لديها شعور بحسبها يتضمن إيمان جِبلي، ناتج عن رفض حمل “الأمانة” التي عُرضت عليها!

هذا المعنى يُرجح معنى “الإرادة” في تفسير حمل الأمانة الذي يُفيده كلام بعض المفسرين، كأن هذه الجمادات حين رفضت حمل الأمانة رفضت أن تكون إرادتها حُرة، لأنها تعلم أن هذا سيأتي على حساب إيمانها المجبولة عليه الذي يجعلها تُسبح الخالق بلا ملل ولا كلل.

ففي تلك اللحظة التي رفضت فيها هذه الأجرام الضخمة – على ما فيها من قوة وشدّة – حمل الأمانة، كانت تعي أنه سيُصبح لها الفعل أو الامتناع، الطاعة أو العصيان، “عرض تخيير لا تحتيم” كما قال السعدي.. فأدركت أن هذا العطاء – المُغري – ربما يأتي بثمن باهظ؛ أن تفقدَ النقاء الأول، فتجد نفسها مُعرضة للظُلم والخيانة والتقلب في الهوى، فاختارت الأسلم، فقالت – كما في الأثر: “لا، نحن مسخّرات لأمرك، لا نريد ثوابًا ولا عقابًا”، وهو المعنى الذي لمس عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند موته فقال: “ودِدتُ أني نَجَوْتُ منها كَفَافًا، لا لي ولا عليَّ”.

وهنا تكمن مأساة الإنسان، الإنسان وحده – على ضعفه وقلة حيلته – قَبِل هذا العرض! قَبِل أن يكون حرًا، وهي حرية وضعت بالأساس ليكون طائعًا، أملًا في الثواب، لكنه لما أصبح لزامًا عليه أن يختار في كل لحظة، وكل اختيار يحمل معه مسئولية، وهو واهن العزم بطبعه؛ ما كان منه إلا أن تبجح بالحُرية التي أُعطيها مغترًا بعقله مُفرِّطًا في عهد حمل الأمانة!

فما تشهده من ظلم ونفاق وخيانة ومكر وانتكاس بعد استقامة، ليس إلا انعكاسًا مباشرًا لنسيان هذه الحقيقة الكبرى؛ أننا حين قَبِلنا الحمل؛ رضينا أن نكون مسئولين عن الأداء، نسينا الثمن الحقيقي لإرادتنا كأنها هبة بلا حساب وتفضيل بلا عواقب!

فلا عجب أن تصف الآية الإنسان بـ “ظلُومًا جهُولا” بصيغة المبالغة! فهو ما بين تفريط بسوء نية (ظلومًا) وتفريط بإهمال وقلة اكتراث (جهولًا)، فهذا الظلم وهذا الجهل كما كان سر قوته لحظة التحمل؛ هو سر ضعفه لحظة الأداء.

Share via
Copy link