وقت القراءة 1 دقيقة واحدة
11 عدد المشاهدات

أمس كتبت منشور عن تجلي أسماء الله وصفاته مع الأحداث الكبرى، فأشار أخ فاضل إلى معنى عظيم، وهو أننا نألف الاعتقاد بأن الله تعالى يتدخل بالأمور الخارقة لطبيعتنا فحسب، فإذا جرت الأمور على سُننها الطبيعية اعتبرناها “عادية” ونسينا أن الله هو مُدبرها وكيف دبرها.

وهو معنى دقيق ومهم، ومنه كانت بلاغة التعبير القرآني: “والله خلقكم وما تعملون”.. فأنت تعمل بإرادتك وقدرتك وجوارحك بأسباب عادية مألوفة، وتغفل عن أن الله كما هو الخالق لجوارحك هو الخالق لعمل جوارحك، فالله سبحانه هو الذي وضع القوانين التي ألفناها، وهو الذي أجراها ويُسيّرها في كل لحظة.. فالمعجزة ليست في خرق القانون فقط، بل في وجود القانون نفسه واستمراره بهذا الثبات والدقة والتوازن.

إذا كنا نغفل عن ملاحظة أسماء الله وصفاته في الأحداث الكبرى، فإن غفلتنا عن صفاته عز وجل في ضوء أحوالنا الخاصة وتأثرنا بهذه الأحداث أعظم، حيث تمام قدرة الله وسِعتها الضخمة وعظمة تدبيره وكماله..

فأنا وأنت جرم صغير جدًّا في خضم هذه الأحداث الهائلة، واحد من ملايين البشر الذين تتقاطع حيواتهم في اللحظة نفسها، مع الحدث نفسه، كل واحد منهم له قدر خاص يسير فيه؛ مسار ابتلاء، مسار رزق، مسار هُدى، مسار ضلال، مسار سِعة، مسار ضيق.. آلاف المسارات التي فُتحت بالأسباب الكبرى نفسها، كل واحد له قصة، وكل قصة مُدبّرة بإحكام، وكل تدبير يلتقي بتدبير آخر ويُفضي إلى تدبير آخر، وتُصرف بسببه عشرات القلوب وربما آلاف وملايين، كل ذلك يجري في الوقت نفسه تحت تدبير إلهي مُحكم لا يفلت منه شيء.

هنا يمكن أن تفهم شيئًا من بلاغة قول الله تعالى: “وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقُها ويعلم مستقرَّها ومستودَعَها كلٌّ في كتابٍ مبين”، فكل مخلوق يدبّ على الأرض رزقه مكفول عند الله، ومكان عيشه وموته معلوم عنده ومحفوظ في كتاب بدقة متناهية، وإذا كان هذا في الكائنات غير العاقلة، فكيف بالإنسان المُكلّف؟ وإذا كان الله عز وجل لا يشغله رزق نملة عن رزق فيل، فكيف يشغله أمر عبد عن أمر عبد آخر؟

بل كل عبد عنده كأنه الوحيد الذي يُصرّف قلبه ويُدبر أمره وهُداه ورزقه!

فسبحان من لا يشغله شأن عن شأن، ولا يُعجزه تدبير ملايين الأقدار في لحظة واحدة، وما كان ربك نسيا.

Share via
Copy link