وقت القراءة 2 دقيقة
15 عدد المشاهدات

ما الفرق بين ممثل صنع برنامجًا لتوزيع الصدقات، وآخر صنع برنامجًا دعويًا؟ لماذا يذم الناس الأول بينما يمدحون الثاني؟ مع أن العملين من أعمال الخير، بل ربما نفع الأول أكبر!

أظن “الاحتفاء” بهذه البرامج له ما بعده، وربما نراها في رمضان القادم وقد صارت ظاهرة لا مجرد حالات فردية.

ولا أقصد هنا تقييم المحتوى، فربما كان جيدًا في بعض النواحي، لكن هذا لا يصح أن يكون وحده معيارًا للتقييم، فهذه الفكرة التي ربما تبدو بسيطة الآن؛ ستصب في تحوّل في مهنة المُمثل (وهنا أعني المُمثل الذي ما زال كذلك، لم يعتزل التمثيل أو يتوب عنه)، لتشمل مجالًا جديدًا من مجالات التمثيل مناسب تمامًا للخروج من المأزق النفسي الذي يقع فيه أغلب من نطلق عليهم “ممثل تائب” من ترك المكتسبات المادية والشهرة لصالح الحياة النظيفة!

وهذا بفرض حُسن النية، والصدق في طلب الخير، للعلم..

فلم تعد هناك معضلة اجتماعية، ولا داعي للشعور بأزمة أخلاقية، فهو ممثل إذا واتته الفرصة طوال العام، صانع محتوى ديني أو خيري إذا جاءت الفرصة في مواسم الخير! وحسب المزاج العام تتحدد الفرص.. فلماذا يتحمل الممثل كلفة “التوبة” وتبعتها؟!

المثير للاستغراب هنا في اعتقادي؛ ليس استفادة الناس من هذه البرامج، فهذا ربما لا يستأهل النقاش إذا تذكرنا أن أبا هريرة رضي الله عنه أخذ بنصيحة إبليس، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “صدقك وهو كذوب”، رغم أن الحديث فيه دلالة أيضًا على أن الصدق للمصلحة ليس قرينة على صلاح من عادته الكذب.

لكن المثير للاستغراب هو “الاحتفاء” بهذه البرامج! لدرجة أن يوجَّه النقد للمُنتقدين لها والمُتحفّظين عليها.. وهو في الحقيقة انعكاس لسطوة الليبرالية، حيث لا حدود ولا قيود، فحتى الدعوة والدين، ما هما إلا مجالان للحياة، وأحكامهما الشرعية ليست “نظامًا” ينعكس على حياة الفرد، بقدر ما هي “سياسة عمل” محدودة بمجالها.. فإذا كنتَ تُراعي الأخلاق في العمل الدعوي أو الديني، فلا إشكال حينئذٍ أن تتجاوزها في العمل المهني (تمثيلًا أو غيره)!

ومن ثمَّ تتضاءل عند الناس مفاهيم التوبة والندم وإصلاح العمل، وتتلاشى شيئًا فشيئًا.

ومنه تفهم لماذا حين أثنى الله عز وجل على من دعا إليه قال: “ومن أحسنُ قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا”، أي عمل صالحًا في نفسه، فألحق العمل بالقول.

فنحن أمام إفراز جديد من إفرازات الليبرالية، أو إذا ساغ التعبير “لبرلة” للتوبة ومعاني الإصلاح، تتجاوز الموقف الواضح من أخطاء الماضي ورفقاء طريق السوء وقيود التغيير والاستدراك والندم الصارمة.

ربما يقول البعض:

أليس في التشجيع على هذه البرامج محاصرة للشر؟!

هنا تظهر مشكلة أخرى، نابعة عن تصورنا عن “الشر”، وكأنه ذلك الشر المحض الموجود في الأفلام، وليس هو كذلك، فلا يوجد إنسان خيّر خالص ولا شرير خالص، بل كل إنسان تتنازعه نوازع الخير والشر، فإما أن يغلب على نفسه أن تكون أمارة بالسوء وإما يغلب عليها أن تكون مطمئنة بالخير.

وهنا تكمن أهمية أخرى في أن تتميز معاني التوبة والندم والإصلاح، وتتماسك.. فمحاصرة الشر ليس بإزالة الحدود بين الشر والخير، وأن يذوب كل منهما في الآخر، أو جعلهما أشبه ما يكون بـ “حالة أو وضعية الهاتف” يمكن التنقل بينهما بيُسر وسهولة، بل محاصرة الشر بأن يُزيحه الخير.

ولذلك أكثر ذكر مادة “الفساد” في القرآن من جهة ذم الفاعل (المفسدين) لا الفعل (الفساد)، وتأكيد أن الله عليمٌ بهم ولا يُحبهم ولا يُصلِح عملهم.. لماذا؟

لأن ذلك أجدى في الزجر وأدعى للرهبة، فاستقامة السلوك من استقامة الذات.

Share via
Copy link