هناك بُعد غائب في شعيرة زكاة الفطر، قلما ننتبه له، لكنه مهم جدًّا مع طغيان أفكار الليبرالية في المال باسم “مالي وأنا حُر فيه”.. وهو تركيز الإسلام على مسألة “صرف” المال.
أين تصرفه؟ وكيف تصرفه؟ ولماذا تصرفه؟
تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أغْنوهُم عن الطلَب في هذا اليوم”.. فجوهر العبادة في التفتيش عنهم وسد خُلَّتهم قبل أن يطلبوا سدها، وكأن الغاية ألا يُريق الفقير والمسكين ماء وجهه في يوم يفرح فيه الناس.. فانظر لعظمة الإسلام وحرصه العجيب على صيانة مشاعر الناس والعناية بسلامة نفوسهم!
فالإغناء نعم العون على الطاعة، كان أبو إسحاق السبيعي يقول: “كانوا يرون السِّعة عونًا على الدين”.
ولذلك كانت “كثرة الإنفاق” هي الممدوحة في حديث: “لا حسدَ إلا فى اثنتين رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناءَ الليل والنهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا فهو يُنفق منه آناءَ الليل والنهار”؛ فجعل الغنى مع كثرة الإنفاق بمنزلة القرآن مع كثرة قراءته والقيام به!
فحين تهتم معظم القوانين بمسألة “كسب” المال، والتشديد على أهمية أن يكون مشروعًا، وهو أمر اهتمت به الشريعة كذلك.. تُضيف الشريعة بُعدًا آخرًا مهمًا تُركز عليه، وهو “صرف” المال، فشرعية كسبه لا تُبيح التصرف فيه دون ضابط ولا رابط.. لماذا؟!
لأن الإنسان إذا اكتسبه بحقه صار مستخلفًا في إنفاقه قبل أن يكون حرًا في صرفه، فمالكية الله تعالى للمال أسبق من مالكية حامله.. فكما أخذه بحقه وجب عليه أن يضعه في حقه، وكما التزم في كسبه لزم ألا يتجاوز في إنفاقه.. لأنه سيُسأل عن إنفاقه الذي لم يكن عليه أن يُنفقه، وما لم يُنفقه في الوقت الذي كان يجب عليه أن يُنفقه.