وقت القراءة 1 دقيقة واحدة
9 عدد المشاهدات

لا أتصور كيف سيكون حالنا لو أن الله عز وجل لم يخبرنا عن مكر اليهود، أو لو لم يخبرنا أنه مُتكفلٌ بذاته العليّة بكشف هذا الكيد وردّه!

مع الأحداث التي نعيشها لعلك تُدرك السر في تفصيل قضية “المكر” في القرآن، والأوصاف العجيبة التي أحاطت بها!

تأمل كيف استعمل القرآن صيغة المضارعة في الفعلين: “ويمكُرون ويمكُرُ الله” ليُذكّرنا بأن مكر الله مقارن لمكرهم لا متأخر عنه، فمكره عز وجل يجري مع مكرهم في اللحظة ذاتها التي يُدبَّر فيها.. بل يسبقه ويتقدم عليه: “قُل الله أسرعُ مكرًا”.

أو قوله: “وعند اللهِ مكْرُهُم” ليس يعلمه فحسب، بل مكرهم محفوظ عنده كاملًا بتفاصيله قبل اللحظة الأولى التي فكروا فيها فيه، لا يفوته منه شيء.

أو وصفه بأنه عظيم وخبيث حقًّا: “وإن كان مكْرُهم لِتزُولَ منه الجبال”، وأنه لا يهدأ ولا يهمد: “مكْرُ الليلِ والنهار”.. لنعلم أن عِظَم المكر وشدّته لا يُغيّر في معادلة ردّ الله عز وجل له فيهم، بل كلما قوي خُبثه قوي كساده: “ومكْرُ أولئك هو يَبور”.

أو قوله: “ومكَروا مكْرًا ومكرْنا مكرًا وهم لا يشعرون”، “وما يمكُرون إلا بأنفسهم وما يشعرون”، فتكرار “لا يشعرون” ليس عبثًا، بل لتهدئة نفس المؤمن وتثبيت قلبه أمام هذا المكر الشديد.. فالماكر حين يبلغ ذروة مكره يكون في أعمق غفلاته عن مكر الله به، فكلما أحكم مكره عَمِيَ عن مصيره!

ثم يأتي هذا الأصل الذي لا يتبدل: “ولا يحيقُ المكْرُ السَّيّئُ إلا بأهله”، فالتقييد بـ “السَّيّئُ” ليس تزيدًا، بل يعني أن كل ما فيه من فساد وإفساد يرتد في الماكر، ومنه قوله تعالى: “فأتى اللهُ بُنيانَهم من القواعدِ فَخَرَّ عليهم السَّقْفُ من فوقِهم”، فالانهيار جاء من الأساس.. فالرد الإلهي لا يُعطّل نتائج المكر فقط بل يقوض مصادره ويُبطل أسبابه ويكون هو سببًا في الخلاص من الماكر.

غير أن أبلغ ما ورد في القرآن في مكر الماكرين، قوله تعالى: “وكذلك جعلنا في كل قريةٍ أكابر مُجرميها ليمكُروا فيها”، فمكر الماكرين كله داخل تقدير الله، هو الذي أمضى للماكرين مكرهم، والماكر يغتر بعقله وهو غافل عن أنه يُستدرج لمصيره المحتوم من حيث لا يحتسب.

فلا عجب أن يصفهم القرآن بالخاسرين في قوله: “فلا يأمن مكْر الله إلا القوم الخاسرون”، فالخاسر ليس من خُدع بمكر غيره، بل من اطمأن لمكره وأمن مكر الله أن يفجأه.

Share via
Copy link