وقت القراءة 2 دقيقة
13 عدد المشاهدات

شاهدت مقطعًا لداعية فاضل يحصر فيه معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة” و”إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع” ونحوه، في “العلم بالشرع”!

وهذا تضييق للنص الديني مخالف للغة ولغاية العبودية، فمعيار العلم: أن يكون صالحًا في نفسه + خالص النية في حمله.. قال تعالى: “وعلمَ آدمَ الأسماءَ كلها ثم عرضهم على الملائكةِ فقال أنبؤُني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سُبحانك لا علمَ لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم”، فسمى كل معرفة تعلمها آدم “علم”، قيل: وهي التي تقوم بها مصالح الدين والدنيا.

الآن، ونحن نتفرّج على الحرب الدائرة ونسمع عن أنواع صواريخ وإمكانيات طائرات وقدرات رادارات، لا نملك إلا أن نسأل أنفسنا: أين نحن من كل هذا؟ ولماذا لا نستطيع فعل هذا؟

في القرن السابع عشر، حين بدأت ما تُعرف بـ “الثورة العلمية” في أوروبا، حدث انفصال تاريخي بين العلم والدين، بهدف جعل العلم محايدًا أخلاقيًا ومنفصلًا عن الغاية الإلهية، وهذا الانفصال لم يكن مجرد تطور منهجي، بل كان قطيعة فلسفية جعلت العلم أداة لفهم “الكيف” دون “اللماذا”، لتسخير الطبيعة دون تعظيم خالقها.

حين نفصل العلوم الشرعية عن العلوم الكونية، ونجعل الأولى “دينية” والثانية “دنيوية”، فماذا اختلفت نظرتنا حول الفصل العلماني الذي يُخرج “العبودية” من معادلة العلم والفهم؟! إننا بذلك نُسلّم للعلمانية بمقولتها الأساسية: أن العلم بالطبيعة لا علاقة له بالله!

في قول الله تعالى: “سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق” أمر واضح بالتعرف على الطبيعة وفهمها، لرؤية عظمة خالقها وحكمته وقُدرته، فكيف سنرى آيات الله في النفس دون الطبيب الذي يدرس الجسم ووظائفه؟ وكيف سنرى سُنن الخالق التي تكشف عن حكمة الخلق ودقة تدبيره دون أن يدرس الفيزيائي والمهندس قوانين الكون وتقنيات التصميم؟ وكيف سنرى سنن مالك المُلك في المال وفي اجتماع الناس دون أن ندرس قوانين اجتماع الناس ومعايشهم؟

كل علم طريق إلى الله وباب من أبواب معرفة الله.

كل علم يُعطي دارسه قوة، لكن بالعبودية يحصل السداد والتوفيق والبركة، فربما بلغ المؤمن بالقليل من العلم ما لا يبلغه غيره بكثير من المعارف.

ولذلك لو تأملنا دقة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “أعوذ بك من علم لا ينفع”، وقوله: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:.. أو علم يُنتفع به”، فربط العلم بالنفع، وهو أوسع من حصره في علوم الشرع، وما أدق تعريف ابن عجيبة للعلم النافع بأنه “العلم الذي يقوي اليقين”.

فالمعرفة في الإسلام لها معنى ولها غاية، لأن الكون كله له معنى وله غاية.. غياب هذه الحقيقة هو الذي أنتج التوحش الذي نراه، والجحيم الذي يعيشه العالم، علماء بلا خشية، ومعرفة بلا بصيرة، وتقنيات بلا أخلاق، فتحوّل العلم من قوة مُسخرة للعبودية والخير إلى قوة مُسخرة للهوى والشر، همّها الوحيد السيطرة على الموارد والتحكم في الشعوب، كل هذا نتاج فصل العلم عن الدين.

فلا عجب أن يؤكد القرآن مرارًا وتكرارًا على أن التأمل والتدبر والتعلم والنظر والتفكّر في الآفاق والأنفس أدوات موصلة إلى الله، فتحدث بها خشيته ويحدث بها الخوف منه.

لذلك جعل العلماء تعلم العلوم الدنيوية فرضًا على الكفاية مثلما جعلوا العلوم الدينية.. بل ذهب الشنقيطي أبعد من ذلك في تفسير قوله تعالى: “يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا”، قال: “واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، فمن تعلمها وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقًا لما أمر الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ كانت من أشرف العلوم وأنفعها، لأنها يُستعان بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جل وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة”.

Share via
Copy link