وقت القراءة 1 دقيقة واحدة
12 عدد المشاهدات

حين يكشف العدو عن هويته قبل أن يكشف عن سياسته، فيقول: “لا يمكن أن نسمح للأنظمة المؤمنة بأوهام نبوية إسلامية أن يمتلكوا أسلحة نووية”، فهو لا يُصدّر موقفًا سياسيًا بقدر ما يعترف اعترافًا هوياتيًا، فالتصريح في جوهره لا يتكلم عن السلاح ولا القوة، بل يتكلم عن الحق في الفاعلية في العالم، ومن يملك الحقوق ومن لا يملكها.

والمعيار الذي يستند إليه ليس معيار القانون الدولي الزائف – كما زعم من قبل – ولا موازين القوى – كما فرض من قبل – بل معيار “العقيدة”.. يعني أن ما يجري ليس سياسةً يُفاوض عليها، بل هو صراع هوية يُحدَّد فيه من هو داخل دائرة الشرعية ومن هو خارجها.

المفارقة أن من يدّعي قيم العلمانية والحياد القيمي يُعلن بوضوح عن تعريف نفسه كنقيض للإسلام، فيكشف أن العلمانية الغربية لم تكن يومًا تجاوزًا للدين، بل كانت إعادة توظيف له في خدمة هوية مختلفة.

المفارقة الأغرب أن الطرفين – في الحرب الدائرة الآن – أعلنا بوضوح عن موقفهما الديني الهوياتي وأنه نقيض المشروع الإسلامي السني!

فرهان الطرفين اليوم ليس على السلاح ولا على التفاوض، بل على “الهوية” في أصلها، ذلك أنها هي التي تستجيش مشاعر الناس وتجمع القوى وتُثير الرغبة في الابتكار والإنتاج والعمل والتحمل (وغزة أقرب مثال).

فالأُمة التي تَعرف من هي لا تُقلقها تعريفات خصومها لها، بل تتخذ من تلك التعريفات دليلًا على أنها لا تزال تُمثل شيئًا يفرض وجوده، والتاريخ يُخبرنا أن الحضارات لا تموت حين يُحاربها خصومها، بل حين تنسلخ من مرجعياتها وتذوب في مرجعيات غيرها.

ومنه تفهم لماذا ركز الإسلام قبل كل شيءٍ على “العقيدة” وبدأ بها؟ ولماذا أكد القرآن مرارًا على أن للوجود غاية لا تُحددها موازين القوى؟

لأنه جوهر “الهوية” وعمودها الفقري، وهو الذي يجعل المسلم غير قابل للذوبان والاستتباع.. أُمة تعتقد أن التاريخ مفتوح على الغيب لا تُهزم هزيمةً نهائية، لأن مرجعيتها لا تسقط حين تسقط جيوشها؛ وهذا بعينه هو ما يجعل عدوها يشعر أنه لم ينتهِ منها حتى حين يرى بعينه أنه انتهى منها.

قال تعالى: “إنا نحن نزلنا الذِّكر وإنا له لحافظون”، فالمرجعية التي تقوم عليها هوية المسلم مكفول حفظها ومضمونة بضمان إلهي واضح، فالحضارة التي تبني هويتها على مرجعية محفوظة بضمان سماوي تملك في صميمها ما لا تملكه حضارة تبني هويتها على موازين قوى أرضية متحوّلة.

Share via
Copy link