أعتقد أن الفخر بالأجداد نابع من رغبة الإنسان في تعميق وجوده في الزمن، فالإنسان كائن واعٍ بفنائه، يبحث عن معنى يتجاوز عمره القصير وإنجازاته الهشة، فيجد في أمجاد من سبقوه امتدادًا رمزيًا لذاته وعمله.
هذه الحاجة تدفع الناس للبحث عن “عصور ذهبية” يتصلون بها جغرافيًا أو لغويًا أو غير ذلك، تمنحهم إحساسًا بالقيمة والاستمرارية، وتعوّض شعورهم بالضآلة أمام الغير، وبدلًا من أن يُمثل التاريخ تحديًا يُواجه؛ يصبح رصيدًا يُستهلك غير قابل للنفاد.
لكن هذه الآلية النفسية، رغم طبيعيتها؛ “فخ” حين تُصبح بديلًا عن الحاضر، فيعيش الإنسان على ذكريات لم يصنعها، تخلق عنده وهم بالعظمة لا يستند إلى إنجاز فعلي، متناسيًا أن الأجداد أنفسهم كانوا يصنعون حاضرهم.
لذلك نادرًا ما يكون الفخر بالأجداد موضوعيًا، بل دائمًا ما يكون انتقائيًا يُبرز الإنجازات ويُخفي الإخفاقات والمظالم!
خذ مثلًا، الفخر بالفرعونية أو الرومانية أو البابلية.. ستجد كل التركيز على العمارة والفنون، بينما تُطوى صفحات العبودية والاستبداد والقهر الاجتماعي الذي رافقها.
هذا الانتقاء ليس بريئًا، بل يعكس رغبة لاواعية في بناء أسطورة نقية تخدم الهوية الحالية، على حساب الحقيقة التاريخية، ولأن هذا الفخر الانتقائي يعفي الأحياء من محاسبة أنفسهم، فبدلًا من التساؤل “ماذا نصنع الآن؟”؛ يكتفون بالسؤال “ماذا صنع أجدادنا؟”.
المفارقة الأهم هنا، هي غض الطرف عن أن الأجداد بنوا حضارتهم بقيم ومعتقدات مرفوضة، ولا أتكلم هنا عن قيم دينية أو رفض ديني – بالمناسبة – بل أعني قيم يرفضها المُحتَفون أنفسهم، مثل: احتقار المرأة وشيئيتها مثلًا عند الفراعنة والرومان، أو تكريس العبودية رسميًا واجتماعيًا، أو الطبقية الممنهجة في المال والملك والعلاقات بل في أصل الخلق نفسه.. إلخ.
فإذا كان الفخر يفترض نوعًا من الاستمرارية والانتماء؛ فكيف يُفخر بمن كانت رؤيته للحق والأخلاق والعدالة مخالفة جذريًا لما يُؤمن المُفتَخرون به؟!؛ فضلًا عن رؤيتنا لأساس الحياة والموت أصلًا!
هذا الانفصام يكشف أن الفخر هنا ليس حقيقيًا، بل هو توظيف نفعي للتاريخ، حيث يُختزَل الأجداد في فُقاعة مفرغة من المضمون، تُوظّف لخدمة حاجات نفسية بالأساس.
هنا يظهر جليًّا لماذا الفخر بالأجداد المسلمين مختلف؟
ذلك أن الفخر الحقيقي يستلزم الاتساق، حيث يتبنى المسلم قيم من يفتخر بهم ويُجاهد واقعه بها ويعيشه وفقًا لها ولو استلزم ذلك الإحساس بـ “الغُربة” تجاه الحاضر نتيجة انتماء حقيقي للماضي.
لذلك، يُقدم الإسلام رؤية مختلفة جذريًا للعلاقة مع آثار الماضي، تتجلى في التوجيه النبوي: “لا تدخلوا على هؤلاء المُعذَّبين إلا أن تكونوا باكينَ أن يُصيبَكم مثل ما أصابَهُم”.. هذا التوجيه يحوّل الآثار من مصدر للفخر والانبهار إلى مناسبة للتأمل والاعتبار، ولأن الماضي المُمجّد يخلق معايير وهمية للقداسة والعظمة.
فبدلًا من الوقوف أمام عظمة العمران مفتونين، يُطلب من المؤمن أن يقف فزعًا لا مفتخرًا، منكسرًا لا منبهرًا، متعظَا متذكرًا أنهم حين اغتروا بقوتهم المادية وقالوا: “من أشدُّ منّا قوةً؟” صارت قصورهم قبورًا وعمارتهم خرابًا!
فـ “باكين” هذه التي في التوجيه النبوي، ليس حزنًا على ما ضاع منهم، بل فزعًا مما قد يضيع منا.. ليصير السؤال الذي ينبغي أن يكون عنهم ليس “انظروا كيف كانوا أقوياء” بل “انظروا كيف صاروا عبرة”!
ولنتأمل كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفُته أن سيكون ثمة بحث عبر الأجيال عن صلة بين الأجداد والمعاصرين.. فقطع الطريق على أن يؤسس هذا البحث على انتماء غير ذي بال، فقال: “إن العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياءَ لم يُورِّثوا درهمًا ولا دينارًا، إنما وَرَّثوا العلم”.. لتأكيد أن الانتماء للعلم والهدى والحق لا للأحجار والأسماء، ولا ينتقل بالجينات أو الجغرافيا، بل بالسعي والطلب والاستحقاق، ولا يرثه من جلس مفتخرًا، بل يرثه من سار مجتهدًا، حضارة يُمكن أن ينتسب لها كل جيل بفعله لا بنسبه، بعلمه لا بأرضه.
ومن آيات المُفاصلة العجيبة بين الماضي والحاضر في القرآن: “ولقد كتبنا في الزَّبور من بعد الذِّكْر أن الأرضَ يرثُها عباديَ الصالحون”.. فهذه الآية تُحطّم وهم الوراثة الجغرافية، فالأرض وما عليها من إنجازات وحضارات لا يرثها أبناء الأقوياء لمجرد نسبهم، ولا يملكها سكان الأرض لمجرد جغرافيتهم، بل يرثها “الصالحون” الذين استحقوها بعملهم وهُداهم، سُنة إلهية تقطع الطريق على كل محاولة للاتكاء على أمجاد الماضي، وهكذا يتحول الماضي من رصيد نفتخر به إلى مسئولية نُحاسب عليها، ومن مُلك نتباهى به إلى أمانة نُسأل عنها.