“اللهُ لا إلهَ إلا هوَ ربُّ العرشِ العظيمِ”.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أُذن لي أن أحدثكم عن أحد الملائكة من حملة العرش، ما بين شحمة أُذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة”.. وفي رواية: “تخفق فيها الطير سبعمائة سنة”!
تأمل، هذا جزء بسيط من مَلَكٍ واحدٍ من حملة العرش! فإذا كانت هذه عظمة المَلَك الحامل، فكيف بعظمة العرش المحمول؟!
وإذا كانت هذه هيبة العرش العظيم المخلوق، فكيف بجلال ربّ العرش العظيم الخالق؟!
هذا حديثٌ مهيب، لإخراج المؤمن من وهم تصوراته إلى سعة الإيمان، ومن أسر ما يعلم إلى رحابة ما لا يعلم، ومن سطوة ما يرى إلى هيبةِ ما غُيّب عنه.
ومَن عَظّم الله حقّ تعظيمه تَحرر من أثقل أغلاله: غُلّ الافتقار إلى المخلوقين، وغُلّ الرهبة منهم، وغُلّ الافتتان بهم.
لهذا ورد في سبب الإشراك بالله: “وما قدروا الله حقَّ قدره”، أي لم يعظموه عز وجل حقّ تعظيمه.. لذلك قالوا في حكمة ذِكر عرش الله تعالى ووصفه ووصف حَملته والحافين حوله:
إخراجُ العبد من تعظيم المخلوقات إلى تعظيمِ الخالق.
فلا عجب أن يكون دعاء تفريج الكرب: “لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات وربّ الأرض وربّ العرش الكريم”.
كأن القلب عند الكرب يحتاج إلى أمرين متلازمين: اليقين بعظمة الخالق الذي يلجأ إليه، حتى يطمئن أن كربه مهما عظُم فهو ضئيل أمام قُدرة الله، والتحرر من التعلق بالمخلوقين الذين لا يملكون له نفعًا ولا ضرًا.
فذِكر العرش وتكراره في “دعاء الكرب” ليملأ القلب بعظمة الله، فمن كان ربًّا لهذا العرش العظيم فكيف يعجز عن كشف كربك؟ ومن ملك العرش وما تحته من السموات والأرض، أيضيق عليه أمرك؟.. فيخرج القلب من ضيق الكرب إلى سعة التعظيم، ومن الالتفات إلى المخلوقين العاجزين إلى الاعتماد على ربّ العرش القادر.